الشيخ أحمد فريد المزيدي
143
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
فنائه ، فإن للحق فيه مرادا بردّه عليهم ، أخرجه إليهم بتظاهر نعمائه عليه ، فتلألأ سناء عطائه بردّ صفاته عليه لاستجلاب الخلق إليه وإحسانهم عليه « 1 » . الغيبة والحضور كان الجنيد قاعدا ، وعنده امرأته ، فدخل عليه الشبليّ ، فأرادت امرأته أن تستتر ، قال لها الجنيد : لا خبر للشبليّ عنك ، فاقعدي ، فلم يزل يكلّمه الجنيد ، حتى بكى الشبلي ، فلما أخذ الشبلي في البكاء قال الجنيد لامرأته : استتري ؛ فقد أفاق الشبليّ من غيبته « 2 » . ورد عن الجنيد رضى اللّه عنه أنه قال : كان أهل السماوات والأرض مدة يبكون على حيرتي ، وكنت أيضا أبكي هكذا على غيبتهم ، والحال الآن أني لا أدري بهم ولا بنفسي « 3 » . كان الجنيد في مجلسه فسأله أصحابه : يا أستاذ ، متى يكون اللّه عز وجلّ مقبلا على عبده ؟ فلهي عنهم ولم يجبهم ، فألحّوا عليه ، فالتفت إليهم ، فقال : واعجباه ! يقف بين يدي ربّه بلا حضور ، ويقتضي بهذه الوقفة إقبالا « 4 » . الصّحو والسّكر يقول الهجويري : ثم إن الجنيد وأبا العباس السياري وأبا بكر الواسطي ومحمد بن عليّ الترمذي اتفقوا على أن الكرامة تظهر في حال الصحو والتمكين دون السكر ؛ لأن اللّه تعالى جعل أولياءه للعالم ، وناط بهم الحلّ والعقد ، وصيّر أحكام العالم موصولة بهمّتهم ، فوجب أن تكون آراؤهم أصحّ كل الآراء ، وقلوبهم أشفق كل القلوب ، وبخاصة على خلق اللّه ؛ لأنهم واصلون ، والتلوين والسكر يكونان في حال الابتداء ، فإذا حصل البلوغ تبدّل
--> ( 1 ) النص من نشرة عبد القادر ( ص 53 ، 54 ) ، عن المخطوطتين ( 226 - 227 ) . ( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 215 ) ، وروض الرياحين ( ص 179 ) ، ونشر المحاسن ( ص 208 ) . وقال الشيخ الشعراني : وقد دخل الشبليّ مرة على الجنيد وهو جالس على سرير هو وزوجته ، فأرادت زوجة الجنيد أن تستتر ، فقال لها : ليس هو هنا ، فتكلّم الشبليّ ساعة ثم رجع إلى إحساسه ، فقال الجنيد : قد رجع إلى إحساسه استتري الآن . فلو كان الجنيد يرى أنه مكلف لأمر زوجته بالستر وأنكر على الشبلي الدخول على زوجته بغير إذن ، وما ذكرت لك هذه الحكاية إلا خوفا عليك من المقت ، فإن صاحب الحال ربما أثّر فيمن أنكر عليه . وانظر : العهود المحمدية ( ص 433 ) . ( 3 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 492 ) . ( 4 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 268 ) .